عباس حسن
161
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
[ باب نونا التأكيد ] المسألة 143 : نونا التوكيد يراد بهما : نونان ، إحداهما مشددة مبنية على الفتح ، والثانية مخففة مبنية على السكون . وهما من أحرف المعاني « 1 » ، وتتصل كل واحدة منهما بآخر المضارع والأمر فتخلصهما للزمن المستقبل ؛ ولا تتصل بهما إن كانا لغيره « 2 » ، وكذلك لا تتصل بالفعل الماضي ، ولا بأسماء الأفعال مطلقا ؛ ( سواء أكانت طلبية أم خبرية ) « 3 » ولا بغيرها من الأسماء والحروف ؛ نحو : « لا تحملن حقدا على من ينافسك في الخير ، وابذلن جهدك الحميد في سبقه ، وإدراك الغاية قبله » . فالنون في آخر الفعلين حرف للتوكيد ، ويصح تشديدها مع الفتح ، أو تخفيفها مع التسكين . وقد اجتمعا في قوله تعالى في قصة يوسف : ( لَيُسْجَنَنَّ ، وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) . أثرهما المعنوىّ : لو سمعت من يقول : « لا تنفع النصيحة الأحمق ، ولا يفيده التأديب » . . . فقد تتردد في تصديق الكلام ، ويداخلك الشك في صحته . ولك العذر في هذا ، لأن المتكلم لم يحسن التقدير ؛ إذ كان عليه أن يدرك بخبرته وذكائه أن مثل هذا الكلام قد يقابل بالتردد والشك ؛ فيعمل على أن يدفعهما ، ويمنع تسربهما إلى ذهن السامع ، بإحدى الوسائل الكلامية التي عرض لها البلاغيون - ومنها : نون التوكيد . . . فلو أنه قال : لا تنفعن . . . ولا يفيدن . . . لكان مجىء نون التوكيد ، بمثابة القسم على صحة الكلام وصدقه ، أو بمنزلة تكراره وإعادته بقصد تأكيد مضمونه ، وصحة ما حواه ، فلا يكون هناك مجال للشك والتردد عند من هو مستعد للاقتناع . ومثل هذا أن يقال لك : ( أكثر من الحسّاد بفضلك ) ، ( ولا تكثر من
--> ( 1 ) سبق تفصيل الكلام على أحرف المعاني ، في ج 1 م 5 ص 62 ، باب : « الحرف » . ( 2 ) قد يكون - أحيانا - زمن المضارع والأمر ، لغير المستقبل ؛ طبقا للبيان الخاص بهذا ( في ج 1 م 4 ص 54 و 61 باب الفعل ) . ( 3 ) كما تقدم في رقم 7 من ص 153 .